قال - رحمه الله:
قوله: {إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى}
هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى، وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه، والفلق الشق: أي هو سبحانه فالق الحبّ فيخرج منه النبات، وفالق النوى فيخرج منه النوى فيخرج منه الشجر.
وقيل: معنى: {فَالِقُ الحب والنوى} الشق الذي فيهما من أصل الخلقة.
وقيل معنى {فَالِقُ} خالق، والنوى: جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ.
قوله: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} هذه الجملة خبر بعد خبر، فهي في محل رفع.
وقيل: هي جملة مفسرة لما قبلها، لأن معناها معناه، والأول: أولى، فإن معنى {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة.
ومعنى: {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحيّ، وجملة: {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} معطوفة على {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} عطف جملة اسمية على جملة فعلية، ولا ضير في ذلك.
وقيل: معطوفة على (فالق) على تقدير أن جملة {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} مفسرة لما قبلها، والأوّل أولى، والإشارة ب {ذلكم} إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقاً و {الله} خبره.
والمعنى: أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال، والمفضل بكل إفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال {فأنى تُؤْفَكُونَ} فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته؟ قوله: {فَالِقُ الإصباح} مرتفع على أنه من جملة أخبار"إنّ"في {إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى} .
وقيل: هو نعت للاسم الشريف في {ذَلِكُمُ الله} ، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر"فَالِقُ الأصباح"بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع صبح، وعلى قراءة الكسر مصدر أصبح.
والصبح والصباح: أوّل النهار، وكذا الإصباح، وقرأ النخعي"فَالِقُ الإصباح"بفعل وهمزة مكسورة.
والمعنى في {فَالِقُ الإصباح} أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه، أو يكون المعنى على حذف مضاف، أي فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار، لأنه يبدو مختلطاً بالظلمة ثم يصير أبيض خالصاً.
وقرأ الحسن وعيسى بن عمر، وعاصم وحمزة، والكسائي {وَجَعَلَ اليل سَكَناً} حملاً على معنى {فَالِقُ} عند حمزة والكسائي، وأما عند الحسن وعيسى فعطفاً على"فلق".
وقرأ الجمهور،"وجاعل"عطفاً على {فالق} .
وقرئ"فالق وجاعل"بنصبهما على المدح.
وقرأ يعقوب"وجاعل الليل ساكناً".
والسكن: محل السكون، من سكن إليه: إذ اطمأنّ إليه، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم، ويستريحون من التعب والنصب.