قال - رحمه الله:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}
يعني: آدم عليه السلام: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} قُرئ: {مُسْتَقَرٌّ} بفتح القاف وكسرها، وأما: {مُسْتَوْدَعٌ} فبفتح الدال لا غير. وهما على الأول، إما مصدران، أي: فلكم استقرار واستيداع، أو اسما مكان، أي: موضع استقرار استيداع. والاستقرار إما في الأصلاب، أو فوق الأرض، لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] . أو في الأرحام، لقوله تعالى: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ} [الحج: 5] أو الاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقرّ النطفة، والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب، لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب، فأشبهت الوديعة، كأن الرجل أودعها ما كان عنده، أو في الأصلاب، أو تحت الأرض، أو فوقها، فإنها عليها، أو وضعت فيها لتخرج منها مرة أخرى كقوله:
وما المال والأهلون إلا ودائعُ ولا بدَّ يوماً أن تردّ الودائعُ
ونقل الرازي عن الأصمّ أن المستقر من خُلِقَ من النفس الأولى، ودخل الدنيا واستقر فيها. والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وجعل الأصفهاني (المستقر) كناية عن الذَّكرَ، و (المستودع) كناية عن الأنثى. قال: إنما عبر عن الذكر بـ (المستقر) لأن النطفة إنما تتولد في صلبه، وإنما تستقر هناك. وعبر عن الأنثى بـ (المستودع) لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة - والله أعلم -.
وعلى قراءة (مستقر) بكسر القاف اسم فاعل، أي: فمنكم قارّ، ومنكم مستودع، ووجه كون الأول معلوماً. والثاني مجهولاً، كون الاستقرار صادراً منّا دون الاستيداع.