[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ابن القيم فِي الآيات السابقة:
قوله: {هَذَا رَبِّي}
قِيلَ: إِنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ. أَيْ أَهَذَا رَبِّي؟، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا عَلَى وَجْهِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى قَوْمِهِ. فَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْمُوَافِقِ، لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ. ثُمَّ تَوَسَّلَ بِصُورَةِ الْمُوَافَقَةِ إِلَى إِعْلَامِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ نَاقِصًا آفِلًا.
فَإِنَّ الْمَعْبُودَ الْحَقَّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ عَابِدِيهِ وَخَلْقِهِ وَيَأْفُلُ عَنْهُمْ.
فَإِنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُمْ.
أَوْ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ مَرَاتِبِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَعْبُودِ حَتَّى أَوْصَلَهُ الدَّلِيلُ إِلَى الَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
فَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَجْهَهُ حَنِيفًا مُوَحِّدًا، مُقْبِلًا عَلَيْهِ، مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال:
{إنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} [الأنعام: 79] .
وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها.
والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة.
فقال إبراهيم عليه السلام: {أَتُحَاجُّونِّي فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80] .
وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟
فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك.