وقوله: (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس) الخ، معطوفات على قوله: (من ورقة) على ظاهر السياق، والمراد بظلمات الأرض بطونها المظلمة التي تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو ويفسد ما يفسد فالمعنى: ولا تسقط من حبة في بطون الأرض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أيا ما كانا إلا يعلمها، وعلى هذا فقوله: (إلا في كتاب مبين) بدل من قوله: (إلا يعلمها) سد مسده، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين.
وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شيء على حقيقة ما هو عليه من غير إن يطرا عليه إبهام التغير والتبدل وسترة الخفاء في شيء من نعوته، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لأن الكتاب في الحقيقة هو المكتوب، والمكتوب هو المحكى عنه، وإذا كان ظاهرا لا سترة عليه ولإخفاء فيه فالكتاب كذلك. انتهى انتهى. {الميزان حـ 7 صـ 124 - 130}
تشرع الآية في الكلام على علم الله فتقول: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهاهو) .
"مفاتح"جمع"مفتح" (بكسر الميم وفتح التاء) وهو المفتاح، أمّا إِذا كانت بفتح الميم فهي بمعنى الخزانة التي تختزن فيها الأشياء.
وعلى الأوّل يكون المعنى: إنّ جميع مفاتيح الغيب بيد الله.
وعلى الثّاني يكون المعنى: إنّ جميع خزائن الغيب بيد الله.
ويحتمل أن يكون المعنيان قد اجتمعا في عبارة واحدة، وكما هو ثابت في علم الأُصول، فإِن استعمال لفظة واحدة لعدة معان لا مانع منه، وعلى كل حال فهاتان الكلمتان متلازمتان، لأنّه حيثما كانت الخزانة كان المفتاح.
وأغلب الظن أنّ"مفاتح"بمعنى"مفاتيح"لا بمعنى"خزائن"لأنّ الهدف هو بيان علم الله، فتكون المفاتيح وسائل لمعرفة مختلف الذخائر وهو أنسب بالآية، وفي موضعين آخرين في القرآن ترد كلمة"مفاتح"بمعنى المفاتيح (1) .
ثمّ لتوكيد ذلك أكثر يقول: (ويعلم ما في البرّ والبحر) .