[من روائع الأبحاث]
(كلام في معنى حقيقة فعله وحكمه تعالى)
قال فِي الميزان:
فعله وحكمه تعالى نفس الحق لا مطابق للحق موافق له، بيان ذلك أن الشيء إنما يكون حقا إذا كان ثابتا في الخارج واقعا في الأعيان من غير ان يختلقه وهم أو يصنعه ذهن كالإنسان الذي هو أحد الموجودات الخارجية والأرض التي يعيش عليها والنبات والحيوانات التي يغتذى، بها والخبر إنما يكون حقا إذا طابق الواقع الثابت في نفسه مستقلا عن إدراكنا والحكم والقضاء إنما يكون حقا إذا وافق السنة الجارية في الكون فإذا أمر الأمر بشيء أو قضى القاضي بشيء فإنما يكون حكم هذا وقضاء ذاك حقا مطلقا إذا وأفق المصلحة المطلقة المأخوذة من السنة الجارية في الكون، ويكون حقا نسبيا إذا وأفق المصلحة النسبية المأخوذة من سنة الكون بالنسبة إلى بعض أجزائه من غير نظر إلى النظام العام العالمي.
فإذا أمرنا آمر بالتزام العدل أو اجتناب الظلم فإنما يعد ذلك حقا لأن نظام الكون يهدى الأشياء إلى سعادتها وخيرها، وقد قضى على الإنسان ان يعيش اجتماعيا، وقضى على كل مجتمع مركب من أجزاء أن يتلائم أجزاؤه ولا يزاحم بعضها بعضا، ولا يفسد طرف منه طرفا، حتى ينال ما قسم له من سعادة الوجود، ويتوزع ذلك بين أجزائه المجتمعين، فمصلحة هذا النوع المطلقة هي سعادته في الحياة، ويطابقها الأمر بالعدل والنهي عن الظلم فكل منهما حكم حق، ولا يطابقها الأمر بالظلم والنهي عن العدل فهما من الباطل، والتوحيد حق لأنه يهدى إلى سعادة الإنسان في حياته الحقيقيه، والشرك باطل لأنه يجر الإنسان إلى شقاء مهلك وعذاب خالد.
وكذلك القضاء بين متخاصمين انما يكون حقا إذا وافق الحكم المشروع المراعى
فيه المصلحة الإنسانية المطلقة أو مصلحة قوم خاص أو أمة خاصة، والمصلحة الحقيقية - كما - عرفت - مأخوذه من السنة الجارية في الكون مطلقا أو نسبيا.