فصل
قال الشوكاني:
قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً}
أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعباً ولهواً، ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت، وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال.
وقيل المعنى: أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعباً ولهواً، كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها.
وقيل: المراد بالدين هنا العيد، أي اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، وجملة: {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} معطوفة على {اتخذوا} أي غرّتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا: {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] .
قوله: {وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} الضمير في"بِهِ"للقرآن أو للحساب.
والإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، ومنه أبسلت ولدي، أي رهنته في الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك.
قال النابغة:
ونحن رهناً بالأُفاقة عامراً ... بما كان في الدرداء رهناً فأبسلا
أي فهلك، والدرداء: كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى: وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت، أي ترتهن وتسلم للهلكة، وأصل الإبسال: المنع، ومنه شجاع باسل، أي ممتنع من قرنه.
قوله: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} العدل هنا: الفدية.
والمعنى: وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك، وفاعل {يُؤْخَذْ} ضمير يرجع إلى العدل، لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] .
وقيل: فاعله {منها} ، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل.