قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده}
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} الاقتداء طلب موافقة الغير في فعله.
فقيل: المعنى اصبر كما صبروا.
وقيل: معنى {فَبِهُدَاهُم اقتده} التوحيد والشرائع مختلفة.
وقد احتجّ بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع شرائع الأنبياء فيما عدم فيه النص؛ كما في صحيح مُسْلم وغيره:"أن أخت الرُّبَيِّع أمّ حارثة جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"القصاصَ القصاصَ"فقالت أمّ الرَّبيع: يا رسول الله أيقتصّ من فلانة؟ ا والله لا يقتصّ منها."
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله يا أمّ الرَّبيع القصاصُ كتاب الله".
قالت: والله لا يقتص منها أبداً.
قال: فما زالت حتى قَبلوا الدِّية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبَرّه""فأحال رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45] الآية."
وليس في كتاب الله تعالى نصّ على القصاص في السِّنّ إلا في هذه الآية؛ وهي خبر عن شرع التوراة ومع ذلك فحكم بها وأحال عليها.
وإلى هذا ذهب مُعْظَم أصحاب مالك وأصحاب الشافعيّ، وأنه يجب العمل بما وجد منها.
قال ابن بكير: وهو الذي تقتضيه أصول مالك وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعيّ والمعتزلة؛ لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] .
وهذا لا حجّة فيه؛ لأنه يحتمل التقييد: إلا فيما قصّ عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم.
وفي"صحيح البخاريّ"عن العوّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة {ص} فقال: سألت ابن عباس عن سجدة {ص} فقال: أوَ تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتده} ؟ وكان داود عليه السلام ممن أُمر نبيّكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به.
الثانية: قرأ حمزة والكسائِيّ {اقتد قل} بغير هاء في الوصل.
وقرأ ابن عامر {اقْتَدِ هِي قُلْ} .