قوله جلَّ ذكره: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ... )
ما قدروه حق قدره؛ أي: ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه
كالذي ينبغي له، أما علموا أن من أسمائه جل ذكره الباعث والمرسل والمنذر
والمبتلي والممتحن والمنزل، وأن من شهادة الحق المخلوق به السماوات والأرض
البعث للجزاء ثواب أو عقاب، وذلك لا يكون إلا بالرسل والكتب والحكمة التي
بعثهم بها، وكذلك بعد البعث الصراط والميزان والحوض والشفاعة، وغير ذلك من
معاني النبوة والرسالة، كما قال في غير هذا الموضع بعد قوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) .
ثم قال:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ)يخبر عن عظيم قدرته وجليل
ملكه، ودلائل التوحيد سوى ما اختصت به الوحدانية من الدلائل في الوحي
والوجود، وفيه: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا) إلى قوله:
(وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ) فاستاق هذا كله في
معرض الإخبار عن إنزاله، وعن النبوة المبثوثة في العالم.
ثم وصل بذلك قوله: (أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) فهذا من معلوم الكتاب والنبوة، كما
قال جلَّ قوله:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ... .)وهذا
معلوم المؤمنين، ثم فوق هذا ما علمه إخوان الأنبياء - عليهم السَّلام - الذين تقدم
ذكرهم في قوله: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ (87) . وهذا ما خصهم به من سائر المؤمنين من إلهام وفطنة وشعر
ومحادثة، ونفث في روع، وما عبَّر عنه قوله جلَّ قَولُهُ:"كنت سمعه الذي يسمع به"