قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى}
هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، و {فرادى} معناه فرداً فرداً، والألف في آخره ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل] :
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ... فرادى ومثنى أصعقتها صواهله
وقرأ أبو حيوة"فرادىً"منوناً على وزن فعال وهي لغة تميم، و {فرادى} قيل هو جمع فرَد بفتح الراء، وقيل جمع فرْد بإسكان الراء والمقصد في الآية توقيف الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول والشفعاء، فيكون قوله: {كما خلقناكم أول مرة} تشبيهاً بالانفراد الأول في وقت الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: {كما خلقناكم} زيادة معان على الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً، و {خولناكم} معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير: [الطويل] :
هنالك إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا ... وإن يُسْألوا يُعْطُوا وإن يُيْسِرُوا يُغْلُوا
{وراء ظهوركم} إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجوداً.
وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} الآية، توقيف على الخطأ في عبادة الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى.
قال القاضي أبو محمد: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية ممكن وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}