قال - عليه الرحمة:
{إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى} بالنبات والشجر أي فلق الحب عن السنبلة والنواة عن النخلة، والفلق: الشق، وعن مجاهد: أراد الشقين اللذين في النواة والحنطة {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} النبات الغض النامي من الحب اليابس {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} الحب اليابس من النبات النامي، أو الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فاحتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه لأنهم أنكروا البعث فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياء فهو يقدر على بعثهم.
وإنما قال {وَمُخْرِجُ الميت} بلفظ اسم الفاعل لأنه معطوف على فالق الحب لا على الفعل {وَيُخْرِجُ الحي مِنَ الميت} موقعه موقع الجملة المبينة لقوله {فَالِقُ الحب والنوى} لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي في حكم الحيوان دليله قوله: {ويحيي الأرض بعد موتها} [الروم: 19] .
{ذلكم الله} ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية لا الأصنام {فأنى تُؤْفَكُونَ} فكيف تصرفون عنه وعن تواليه إلى غيره بعد وضوح الأمر بما ذكرنا {فَالِقُ الإصباح} هو مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو خالق نور النهار {وَجَعَلَ الليل} {وَجَعَلَ الليل} كوفي لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضي، فلما كان فالق بمعنى فلق عطف عليه {جَعَلَ} لتوافقهما معنى {سَكَناً} مسكوناً فيه من قوله {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67] أي ليسكن فيه الخلق عن كد المعيشة إلى نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق {والشمس والقمر} انتصبا بإضمار فعل يدل عليه جاعل الليل أي وجعل الشمس والقمر {حُسْبَاناً} أي جعلهما على حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما.
والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب {ذلك} إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم {تَقْدِيرُ العزيز} الذي قهرهما وسخرهما {العليم} بتدبيرهما وتدويرهما {وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم} خلقها {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر} أي في ظلمات الليل بالبر وبالبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قد بينا الآيات الدالة على التوحيد لقوم يعلمون.
{وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة} هي آدم عليه السلام {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} {فَمُسْتَقَر} بالكسر: مكي وبصري.