ثم ذكر أنه إذا قيل: فلان لا يفقه شيئاً كان أذم في العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئاً وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئاً فغايته عدم حصول العلم له وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو تعلم.
واستدل على أن التارك للتفكر في نفسه أجهل وأسوأ حالاً من التارك للفكرة في غيره بقوله سبحانه: {وَفِى الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20، 21] فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات وأنكر على من لا يتبصر في نفسه إنكاراً مستأنفاً"والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 7 صـ} "
وقوله: {قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون} تقرير لنظيره المتقدّم مقصود به التّذكير والإعذار.
وعدل عن (يعلمون) إلى {يفقهون} لأنّ دلالة إنشائهم على هذه الأطوار من الاستقرار والاستيداع وما فيهما من الحكمة دلالة دقيقة تحتاج إلى تدبّر، فإنّ المخاطبين كانوا معرضين عنها فعبّر عن علمها بأنّه فِقه، بخلاف دلالة النّجوم على حكمة الاهتداء بها فهي دلالة متكرّرة، وتعريضاً بأنّ المشركين لا يعلمون ولا يفقهون، فإنّ العلم هو المعرفة الموافقة للحقيقة، والفقه هو إدراك الأشياء الدّقيقة.
فحصل تفصيل الآيات للمؤمنين وانتفى الانتفاع به للمشركين، ولذلك قال بعدَ هذا {إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}