{قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} المبينة لتفاصيل خلق البشر ومن جملتها هذه الآية {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} معاني ذلك، قيل: ذكر مع ذكر النجوم {يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] ومع ذكر إنشاء بني آدم {يَفْقَهُونَ} لأن الإنشاء من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوالهم المختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له، وهو مبني على أن الفقه أبلغ من العلم، وقيل: هما بمعنى إلا"أنه لما أريد فصل كل آية بفاصلة تنبيهاً على استقلال كل منهما بالمقصود من الحجة وكره الفصل بفاصلتين متساويتين لفظاً للتكرار عدل إلى فاصلة مخالفة تحسيناً للنظم (وافتناناً) في البلاغة."
وذكر ابن المنير وجهاً آخر في تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله تعالى ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآيات المذكورة أولاً خارجة عن أنفس النظار (ومنافية لها) إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة وتقليبهم في أطوار مختلفة وأحوال متغايرة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها فإذا تمهد هذا فجهل الإنسان بنفسه وأحواله وعدم النظر والتفكر فيها أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها وتقلبها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى (بطريق التعريض عن أبشع القبيلتين) جهلاً وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى فخص به أسوأ الفريقين حالاً و {يَفْقَهُونَ} ههنا مضارع فقه الشيء بكسر القاف إذا فهمه ولو أدنى فهم، وليس من فقه بالضم لأن تلك درجة عالية ومعناه صار فقيهاً.