والقرآن الكريم مع ذلك لم يهمل الواجب في حق العلوم النافعة ، ولم يحرم البحث عن العالم وأجزائه السماوية والأرضية ، ولا منع من استطلاع اخبار الأمم الماضية وسنن المجتمعات والقرون الخالية ، والاستعانة بها على واجب المعرفة ولازم العلم والآيات تمدح العلم أبلغ المدح ، وتندب إلى التفكر والتفقه والتذكر كثرة لا حاجة معها إلى إيرادها هاهنا .
قوله تعالى: (أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك وقومك في ضلال مبين) قال الراغب في المفردات: الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام قال الله تعالى: أتتخذ أصناما آلهة ، لاكيدن أصنامكم ، انتهى ، وما ذكره من اتخاذه من فضه أو نحاس أو خشب إنما هو من باب المثال لا ينحصر فيه اتخاذها بل كان يتخذ من كل ما يمكن أن يمثل به تمثال من أقسام الفلزات والحجارة وغيرها وقد روى أن بنى حنيفة من اليمامة كانوا قد اتخذوا صنما من أقط ، وربما كانوا يتخذونه من الطين وربما كان صورة مصورة .
وكيف كان فقد كانت الأصنام ربما يمثل بها موضوع اعتقادي غير محسوس كإله السماء والأرض وإله العدل ، وربما يمثل بها موضوع محسوس كصنم الشمس وصنم القمر ، وقد كانت من النوعين جميعا أصنام لقوم إبراهيم عليه السلام على ما تؤيده الاثار المكشوفة منهم في خرائب بابل وقد كانوا يعبدونها تقربا بها إلى أربابها ، وبأربابها إلى الله سبحانه ، وهذا انموذج بارز من سفه أحلام البشر أن يخضع أعلى حد الخضوع - وهو خضوع العبد للرب - لمثال مثل به موضوعا يستعظم أمره ويعظمه ، وحقيقته منتهى درجة خضوع المصنوع المربوب لصانعه من صانع لمصنوع نفسه كان الواحد منهم يأخذ خشبة فينحت بيده منه صنما ثم ينصبه فيعبده ويتذلل له ويخضع ولذلك جئ بلفظة الأصنام في قوله المحكى: (أتتخذ أصناما آلهة) نكرة ليدل على هوان أمرها وحقارته من جهة أنها مصنوعة