قال - رحمه الله:
قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) إلى آخر الآية.
ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله: (والله أعلم بالظالمين) زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو، ويعلم كل دقيق وجليل.
وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله: (لا يعلمها إلا هو) فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعنى قوله: (قل إنى على بينة من ربى - إلى قوله - والله أعلم بالظالمين) حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية وما يستتبعه من الحكم الفصل والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به، ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى، ثم زاد ذلك بيانا بقوله: (وعنده مفاتح الغيب) الآية فبين به اختصاصه تعالى بعلم الغيب وشمول علمه كل شيء، ثم تمم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها.
وبذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصه هود وقومه:(قالوا أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما ارسلت به) (الأحقاف: 23) .