ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة، وربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده ما قرئ شاذا: (وعنده مفاتيح الغيب) ومآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الأول فإنه تعالى كرر في كلامه ذكر خزائنه وخزائن رحمته - وذلك في سبعة مواضع - ولم يذكر لها مفاتيح في شيء من كلامه قال تعالى: (أم عندهم خزائن ربك) (الطور: 37) وقال: (لا أقول لكم عندي خزائن الله) (الأنعام: 50) وقال: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) (الحجر: 21) وقال: (ولله خزائن السماوات والأرض)
(المنافقون: 7) وقال: (أم عندهم خزائن رحمة ربك) (ص: 9) فالاقرب أن يكون المراد بمفاتح الغيب خزائنه.
وكيف كان فقوله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) مسوق لبيان انحصار العلم بالغيب فيه تعالى إما لأن خزائن الغيب لا يعلمها إلا الله، وإما لأن مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن إذ لا علم له بمفاتيحها التي يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها.
وصدر الآية وإن أنبأ عن انحصار علم الغيب فيه تعالى لكن ذيلها لا يختص بعلم الغيب بل ينبئ عن شمول علمه تعالى بكل شيء أعم من أن يكون غيبا أو شهادة فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيبا وهو ظاهر فالآية بمجموعها يبين شمول علمه تعالى لكل غيب وشهادة، غير أن صدرها يختص ببيان علمه بالغيوب، وذيلها ينبئ عن علمه بكل شيء أعم من الغيب والشهادة.