قال - عليه الرحمة:
{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله}
استئنافٌ مبنيٌّ على ما أسِّسَ من السنة الإلهية في شأنِ إرسالِ الرسل وإنزالِ الكتُب، مَسوقٌ لإظهار تبرِئتِه صلى الله عليه وسلم عما يدورُ عليه مقترحاتُهم، أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارةً تنزيلَ الآياتِ وأخرى غيرَ ذلك لا أدَّعي أن خزائنَ مقدوراتِه تعالى مُفوَّضةٌ إلي أتصرَّفُ فيها كيفما أشاء استقلالاً أو استدعاءً، حتى تقترحوا عليّ تنزيلَ الآياتِ أو إنزالَ العذاب، أو قلبَ الجبال ذهباً، أو غيرَ ذلك مما لا يليق بشأني، وجعلُ هذا تبرُّؤاً عن دعوى الإلهية مما لا وجهَ له قطعاً، وقوله تعالى: {وَلا أَعْلَمُ الغيب} عطفٌ على محلَّ (عندي خزائنُ الله) ، أي لا أدّعي أيضاً أني أعلم الغيبَ من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ} حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيق البشرُ من الرُقيِّ في السماء ونحوه، أو تعدوا عدمَ اتّصافي بصفاتهم قادحاً في أمري كما ينبئ عنه قولهم: {مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق} والمعنى إني لا أدَّعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثةِ حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدمَ إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحةِ ما أدَّعيه من الرسالة التي لا تعلُّقَ لها بشيء مما ذُكر قطعاً بل إنما هي عبارةٌ عن تلقِّي الوحْي من جهةِ الله عز وجل، والعملِ بمقتضاه فحسْب، حسْبما ينبئ عنه قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ} لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القَصْر إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمال الشائعُ الواردُ على توجيه القصْر إلى ما يتعلّق بالفعل باعتبار النفي في الأصل، والإثبات في القيد، بل على معنى تخصيص حالِه صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصرِ إلى نفس