فصل
قال الشيخ سيد قطب:
{الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) }
هذه الجولة - أو هذه الموجة - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم، المكذبين بالبعث والآخرة .. ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم؛ ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به؛ وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها .. تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة .. تواجههم به وهم محشورون جميعاً، مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب، وسؤال التشهير والتعجيب: {أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟} وهم في رعب وفزع، وفي تضعضع وذهول يقسمون بالله ويعترفون له وحده بالربوبية: {والله ربنا ما كنا مشركين} ! .. وتواجههم به وهم موقوفون على النار، محبوسون عليها، وهم في رعب وفزع، وفي ندم وحسرة يقولون: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} ! .. وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم، وهم يتذاوبون من الخجل والندم، ومن الروع والهول؛ وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه: {أليس هذا بالحق؟} فيجيبون في استخذاء وتذاوب: {بلى وربنا} . فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئاً: {قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} .. ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن؛ وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم؛ وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الآخرة، وأخذهم للصفقة الخاسرة!
مشهد وراء مشهد، وكل مشهد يزلزل القلوب، ويخلخل المفاصل، ويهز الكيان، ويفتح العين والقلب - عند من يشاء الله أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول الله صلى الله عليه وسلم - والكتاب الذي يكذبون به؛ بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم!
{الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} ..