قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية.
قال المشركون؛ ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء يعنون سَلْمان وصُهَيباً وبِلالاً وخَبَّاباً فاطردهم عنك؛ وطلبوا أن يَكتب لهم بذلك، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ودعا عليّاً ليكتب؛ فقام الفقراء وجلسوا ناحية؛ فأنزل الله الآية.
ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع؛ وسيأتي ذكره.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوّت أصحابه شيئاً، ولا ينقص لهم قدراً، فمال إليه فأنزل الله الآية، فنهاه عما همَّ به من الطّرد لا أنه أوقع الطرد.
روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاءِ عنك لا يجترئون علينا؛ قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هُذَيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} .
قيل: المراد بالدعاء المحافظة على الصَّلاة المكتوبة في الجماعة؛ قاله ابن عباس ومجاهد والحسن.
وقيل: الذكر وقراءة القرآن.
ويحتمل أن يريد الدعاء في أوّل النهار وآخره؛ ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق، ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة.
{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي طاعته، والإخلاص فيها، أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله، ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره.
وقيل: يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال: {ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] وهو كقوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] .