قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض} تقدّم معنى الدابة والقول فيه في"البقرة"وأصله الصفة؛ من دَبّ يَدِبّ فهو دابّ إذا مشى مشياً فيه تَقَارُب خَطْو.
{وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} بخفض"طائرٍ"عطفاً على اللفظ.
وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق"وَلاَ طَائِرٌ"بالرفع عطفاً على الموضع، و"مِن"زائدة التقدير: وما دابةٌ.
"بِجَنَاحَيْهِ"تأكيد وإزالة للإبهام؛ فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، تقول للرجل: طِرْ في حاجتي؛ أي أَسرعْ؛ فذَكَر"بجناحيه"ليتمحض القول في الطير، وهو في غيره مجاز.
وقيل: إن اعتدال جَسَد الطائر بين الجناحين يعِينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل؛ فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله} [النحل: 79] .
والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي؛ ومنه جَنَحت السفينةُ إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت.
وطائر الإنسان عمله؛ وفي التنزيل {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] .
{إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم، وتَكفّل بأرزاقهم، وعدَلَ عليهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به.
و"دابة"تقع على جميع ما دبّ؛ وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه.
وقيل: هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة؛ والمعنى: وما من دابة ولا طائِر إلا وهو يسبِّح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار.
وقال أبو هُريرة: هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غداً ويقتص للجّماء من القَرْنَاء ثم يقول الله لها: كوني تراباً.
وهذا اختيار الزجاج فإنه قال: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضاً.
وقال سُفيان بن عُيْينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه؛ فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يَشْرَه كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس؛ فهذا معنى المماثلة.