قال - رحمه الله:
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين {سِيرُواْ} سافروا في الأرض معتبرين {ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين} أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية {قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض} فإن أجابوك وإلاّ {قُل للَّهِ} يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [ ] والأصنام ثم قال {كَتَبَ} ربكم أي قضى وأوجب فضلاً وكرماً {على نَفْسِهِ الرحمة} .
وذكر النفس ها هنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بإنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
هشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول صلى الله عليه وسلم قال:"لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش"إن رحمتي سبقت غضبي"."
وقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه اللّه من خلقه؟ فقال كعب: كتب اللّه كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أنا اللّه لا إله إلاّ أنا سبقت رحمتي غضبي.
وقال سلمان وعبدالله بن عمر: إن للّه تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده.
ثم قال {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: واللّه ليجمعنكم {إلى يَوْمِ القيامة} يعني في يوم القيامة إلى يعني في، وقيل: معناه ليجمعنكم في [غيركم] إلى يوم القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهِ الذين خسروا} غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ويجوز أن يكون رفعاً بالإبتداء وخبره فهم لا يؤمنون، فأخبر اللّه تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر. انتهى انتهى. {الكشف والبيان حـ 4 صـ}