(فصل: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الأنعام
سعة لسان العرب:
قوله عز وجل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)
دليل على سعة لسان العرب، إذ - لا محالة - أن المخلوق من طين هو آدم، صلى الله عليه وسلم، أبو البشر، وسائر الناس - سوى عيسى - صلى الله عليه وسلم - مخلوقون من نطفة. وهذا نظير ما مر في سور البقرة من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) بآبائكم، (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي خلق أباكم الذي أنتم من نسله.
ويحتمل أن يكون الله - جل جلاله بقدرته - أذاب الطين وحوله نطفة فأودعه الأصلاب، فيكون كل من خلق من نطفة مخلوفا من طين
ألا تراه يقول: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37 ) ) ، ثم سمى النطفة ماء، فقال: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7 ) )
والله أعلم أي ذلك هو.
وفي كل هذه الآيات - لا محالة - خصوص؛ لأن عيسى، صلى الله عليه وسلم، ما كان منيا يمنى، ولا خلق من ماء دافق بل خلقه الله بقدرته في بطن أمه آية للعالمين من غير نطفة.
إضمار:
قوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي أول من أسلم من أهل زمانه إذ قد كان قبله مسلمون.
ومثله قول موسى، صلى الله عليه وسلم - والله أعلم -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ(143 ) )
أي أول قومي إيمانا.
قوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(14)
يحتمل معنية: أحدهما
رجوع من الخبر إلى المخاطبة.
والثاني: أن يكون فيه إضمار واختصار كأنه:"قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم وقيل لي: لا تكونن من المشركين."
وأيهما هو فهو دال على سعة اللسان والله أعلم بما أراده.