دليل أن القرآن يخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ومن لم يدركه:
قوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ)
موجبه أن القرآن منذر به ومخاطب بأحكامه من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن لم يدركه إلى يوم القيامة ، وهو من المواضع التي يحسن فيه حذف هاء المفعول كأنه - والله أعلم -: ومن بلغه القرآن والهاء محذوفة ، إذ لا يجوز لأحد أن يحمله على ومن بلغ من الأطفال فيجعل الخطاب والنذارة به خاصة لمن كان في زمان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، موجودا دون من ولد بعده فيهدم الإسلام.
حجة على المعتزلة والقدرية:
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)
حجة على القدرية والمعتزلة شديدة ، لأن الجعل إن كان عندهم خلقا كما يزعمونه في القرآن ، فقد أقروا بألسنتهم أنه - جل وعلا - خالق الشر إذ الأكنة المانعة من التفقه ، والوقر الحائل أبينهم وبين الاستماع شر لا خير.
وإن كان بمعنى صير فقد أقروا بأنه مصير موانع تحول بين الإجابة إلى القرآن ، وكيف ما تأولوا الجعل في هذا الموضع كان عليهم لا لهم.
قال محمد بن علي: زعم قوم من مردة المعتزلة والقدرية المفرطين في التمرد والكفر وإن كانوا كلهم مردة - أن الله - جل جلاله - لا يعلم الشيء حتى يكون خشية أن يلزمهم في علمه بمعصية العاصي قبل فعلها ما يكسر قولهم ، إذ لا يجوز عليه أن يعلم كون للشيء
مقدر أحد ، أحد على إزالته ، فكفروا في الجلي الواضح خشية ما يلزمهم في الدقيق الخفي -
وهذا وإن كان لا يشكل على مسلم ، ولا يبعد عنه فهمه ويحيط علمه