ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة الأنعام (6)
قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} (6: 74)
فـ"آزر"بدل، والبدل لا يكون إلا للبيان، والأب لا
يلتبس بغيره. فكيف يحسن البدل؟
والجواب: أن الأب يطلق على الجد، بدليل قوله: {ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} فقال: آزر ليرفع احتمال المجاز.
قوله عز وجل: {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} (6: 75) .
فيه سؤالان: أحدهما: ما فائدة التشبيه، إذ العلم بالملكوت لا يمكن التفاضل فيه، والتشبيه يؤتي به إما لعلو مرتبة المشبه أو انخفاضها.
الثاني: هل الواو في قوله: {وليكون من الموقنين} زائدة، لأن الكلام مستقل بدونها. ولو قال: نريه ليكون من الموقنين، لصح الكلام، أو ليست بزائدة؟
والجواب عن الأول: أن الإشارة بـ"كذلك"للرؤية في قوله، حكاية عن إبراهيم: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} . والمعنى كما أرينا إبراهيم ضلال أبيه وقومه، نريه ملكوت السماوات والأرض.
وفائدة التشبيه، أن العلم على قسمين جملي وتفصيلي. والتفصيلي أقرب إلى المعلوم الواحد كالضلال هاهنا. والجملي: أقرب إلى المعلومات الكثيرة، نحو: ملكوت السماوات والأرض، لأن الملكوت مصدر مرادف للملك. والمراد: إما التصرف، أو محله أو المجموع. وأيا ما كان فالمعلومات كثيرة، فهي قريبة من الإجمال. فأخبر الله عز وجل، أنه يعرفه بهذا العظيم تعريفًا تفصيليًا، فكانت الفائدة بيان كمال الإيمان.
والجواب عن الثاني: أن الواو ليست بزائدة، بل هي للاستئناف، والمعلوم محذوف، يدل عليه هذا المعمول المذكور. تقديره:"وليكون من الموقنين أريناه". فقامت الواو مقام جملة أخرى، فكان أبلغ لأجل ما حصل من التوكيد بتكرار الجملة. وأبو علي: يقدر:"أريناه"بعد الواو وقبل لام التعليل، لأن الأصل في العامل التقديم.
والفراء يقدره مؤخرًا ويذكره عن العرب. ولأن
تقديم العلة يكون أسرع لقبول الحكم عند ذكره.