(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «الأنعام»
1 -قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الآية 6] .
أقول: دلالة القرن على الزمان مشهورة وحدّه عشر سنين أو عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو مائة أو مائة وعشرون. والغالب هو مائة سنة.
والعدد الأخير هو المعروف في عصرنا، وليس شيئا من المقادير الأخرى، فيقال القرن الرابع عشر الهجري، وحدّه من 1301 إلى 1400.
ولكن للقرن دلالات أخرى في العربية القديمة، فهو الأمّة من الناس هلكت، ولم يبق منها أحد، وهذا متحقّق في الآية موضع بحثنا، كما هو متحقق في آيات أخرى منها: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [يونس: 13] .
ولعل سبب إطلاق القرن على الأمّة، وعلى قدر من السنين في الوقت نفسه مردّه إلى علاقة أحدهما بالآخر بنوع من الاتّصال والملابسة.
2 -وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الآية 25] .
أي: ومنهم من يستمع إليك حين تتلو القرآن. روي أنّه اجتمع أبو سفيان، والوليد، والنضر، وعتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا
للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمّد؟
فقال: والذي جعلها بيته، يعني الكعبة، ما أدري ما يقول، إلّا أنّه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما حدّثكم عن القرون الماضية.
فقال أبو سفيان: إنّي لأراه حقّا. فقال أبو جهل: كلّا، فنزلت الآية. والأكنّة:
الأغطية، وهي جمع كنان.
والمعنى غطّيت قلوبهم بأغطية لئلّا يفقهوا آيات الله، أي: لكي لا يفقهوها أقول: حذفت لام التعليل كما حذفت أداة النفي «لا» قبل الفعل «يفقهوه» للعلم به من قرينة الحال، وهذا نمط من إيجاز لغة التنزيل، وهو معرض من معارض البلاغة.
3 -وقال تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الآية 27] .
والمعنى: ولو ترى إذ أروا النّار ....
إن الفعل: «وقف» في الآية مبني للمفعول.