والفعل وقف، والمصدر وقف ووقوف، خلاف الجلوس وهو لازم، تقول: وقفت الدابّة تقف وقوفا. ووقفت الدابّة وقفا، أي: وقّفتها أو أوقفتها، وهو فعل متعدّ نعرفه كثيرا في الأدب القديم، قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
ومثل قول طرفة:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
ومن ذلك قول النابغة:
وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن حال نعم أمونا عبر أسفار
هذا هو «وقف» الفعل المتعدي، وهو ما لا وجود له في العربية المعاصرة، بل عدل عنه إلى المزيد فيقال: أوقفت السيّارة، ومثله المضاعف: وقّفها.
على أن الفعل في الآية موضع بحثنا «وقفوا» بمعنى أروا وأدخلوا النار فعرفوا مقدار عذابها، كما تقول:
وقفت على ما عند فلان، تريد قد فهمته وتبيّنته.
4 -وقال تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33) .
إنّ الأداة «قد» في قَدْ نَعْلَمُ من
الآية بمعنى «ربّما» ، الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، كقول زهير:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنّه قد يهلك المال نائله وقد علق الشيخ أحمد بن المنير الإسكندري في حاشيته «الارتشاف» فقال: ومثلها، (أي: مسألة «قد» ) في قوله تعالى: (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصّفّ: 5] فإنّه يكثر علمهم برسالته، ويؤكّده بظهور آياته، حتّى يقيم عليهم الحجّة في جمعهم بين متناقضين: أذيّته، ورسوخ علمهم برسالته.
ومنه أيضا قول الشاعر:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله أقول: هذه الفائدة من خصائص العربية في اللغة القديمة، أي: أن «قد» تدخل على الفعل المضارع، وتفيد التكثير، بعكس الشائع الكثير وهو التقليل.
أقول: قد يكون بقي شيء من إفادة التقليل ل «قد» مع المضارع في اللغة العربية المعاصرة، إلّا أن إفادة التكثير لا نجد له مكانا وذلك لأن المعربين من الأدباء وغيرهم قد أضاعوا الكثير من خصائص هذه وجهلوا مكانها.
ومن المفيد أن نقف عند قول الزمخشري: أن «قد» في «قد نعلم» بمعنى «ربّما» .
أود أن أقول: إن «ربّما» تفيد التقليل، وهي كذلك في العربية القديمة ولكنها تفيد التكثير أيضا. فماذا بقي منها في العربية المعاصرة؟ لم يبق من ذلك إلا إفادة التقليل وقد يضاف إلى التقليل، الشك والاحتمال الضعيف.