ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سورة الأنعام
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ)
يُقَالُ: مَا عَامِلُ الْإِعْرَابِ فِي الظَّرْفِ مِنْ (فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ) ؟
فَفِيهِ أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَيْ وَهُوَ اللَّهُ الْمُعَظَّمُ أَوِ الْمَعْبُودُ في السماوات وَفِي الْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ الْخَلِيفَةُ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَيْ حُكْمُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وَفِي الْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ: هُوَ فِي حَاجَاتِ النَّاسِ وَفِي الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السماوات وَهُوَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَهُوَ الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ اللَّهُ في السماوات وَيَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَعْلَمُ مُقَدَّمٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَسْلَمُ وَأَبْعَدُ مِنَ الْإِشْكَالِ وقيل غير هذا.
والقاعدة تنزيهه عز وجل عَنِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَشَغْلِ الْأَمْكِنَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)
أَيْ وَعَدَ بِهَا فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا فَلِذَلِكَ أُمْهِلَ وَذِكْرُ النَّفْسِ هُنَا عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِهِ وَتَأْكِيدُ وَعْدِهِ، وَارْتِفَاعُ الْوَسَائِطِ دُونَهُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ الِاسْتِعْطَافُ مِنْهُ تَعَالَى لِلْمُتَوَلِّينَ عَنْهُ إِلَى الْإِقْبَالِ إِلَيْهِ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ لَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَيَقْبَلُ مِنْهُمُ الْإِنَابَةَ وَالتَّوْبَةَ.