ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة الأنعام
قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ}
«فإن قيل» : فلم قال {مَا سَكَنَ} ولم يقل ما تحرك؟
قيل لأمرين: أحدهما: أن ما يَعُمُّه السكون أكثر مما يَعُمُّه الحركة.
والثاني: لأن كل متحرك لا بد أن تنحل حركته سكوناً , فصار كل متحرك ساكناً , وقد قال الكلبي: معناه وله ما استقر في الليل والنهار , وهما الزمان كله , لأنه لا زمان إلا ليل أو نهار , ولا فصل بينهما يخرج عن واحد منهما.
{ثُمَّ لَمْ تَكُن فَتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}
«فإن قيل» : كيف كذبوا في الآخرة بجحود الشرك ولا يصح منهم الكذب في الآخرة لأمرين:
أحدهما: أنه لا ينفعهم.
والثاني: أنهم مصروفون عن القبائح ملجؤون إلى تركها لإِزالة التكليف عنهم , ولو لم يلجؤوا إلى ترك القبيح ويصرفوا عنه مع كما عقولهم وجب تكليفهم ليقلعوا به عن القبيح , وفي عدم تكليفهم دليل على إلجائهم إلى تركه؟
قيل: عن ذلك جوابان. أحدهما: أن قولهم {وَاللَّهِ رَبِّنآ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أننا على صواب , وإن ظهر لنا خطؤه الآن , فلم يكن ذلك منهم كذباً , قاله قطرب.
والثاني: أن الآخرة مواطن , فموطن لا يعلمون ذلك فيه ولا يضطرون إليه , وموطن يعلمون ذلك فيه ويضطرون إليه , فقالوا ذلك في الموطن الأول , قاله بعض متأخري المتكلمين.
وهذا ليس بصحيح لأنه يقتضي أن يكونوا في الموطن الأول مكلفين لعدم الإِلجاء والاضطرار , وفي الموطن الثاني غير مكلفين.
وقد يعتل الجواب الأول بقوله تعالى بعد هذه الآية: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} فأخبر عنهم بالكذب , وهم على الجواب الأول غير كاذبين.
وقد أُجِيب عن هذا الاعتراض بجواب ثالث , وهو أنهم أنكروا بألسنتهم , فلما نطقت جوارحهم أقروا , وفي هذا الجواب دخل لأنه قد كذبوا نُطْقَ الجوارح.
{قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ آيَةً}
يعني آية يجابون بها إلى ما سألوا.
{وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يحتمل وجهين.
أحدهما: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية.
الثاني: لا يعلمون أن زيادة الآيات إذا لم يؤمنوا بها , توجب الزيادة من عذابهم , لكثرة تكذيبهم.
«فإن قيل» : فهذه الآية لا تدل على أن الله لم ينزل عليهم آية تقودهم إلى التصديق فلم يلزمهم الإِيمان؟