ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
سورة الأنعام
قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا)
«فَإِنْ قِيلَ» : السماء مؤنَّثَة، فلم ذكَّر مدراراً؟!
فالجواب:
أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه، أن يلزم التذكير في كلِّ حال، سواء كان وصفاً لمذكّر أو مؤنّث كقولهم: امرأة مذكار، ومعطار وامرأة مذكر، ومؤنث: وهي كفور، وشكور.
ولو بُنيتْ هذه الأوصاف على الفعل، لقيل: كافرة، وشاكرة، ومُذْكِرَة فلما عدل عن بناء الفعل، جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة كقولهم: النعلَ لبستُها، والفأسَ كسرتُها، وكأنَّ إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على الفعل، والمعدول عن مِثْلِ الأفاعيل.
والمراد بالمدرار:
المبالغة في اتصال المطر ودوامه يعني: أنها تَدِرُّ وقت الحاجة إليها، لا أنها تدوم ليلاً ونهاراً، فتفسد، ذكره ابن الأنباري.
قوله تعالى: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(13)
«فَإِنْ قِيلَ» : لم خص السكون بالذكر دون الحركة؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن السكون أعم وجوداً من الحركة.
والثاني: أن كل متحرك قد يسكن، وليس كل ساكن يتحرك.
والثالث: أن في الآية إضماراً والمعنى: وله ما سكن وتحرك كقوله تعالى (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أراد: والبرد فاختصر.
قوله تعالى: (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)
قال أبو عبيدة: الفاطر، معناه: الخالق.
وقال ابن قتيبة: المبتدئ.
ومنه «كل مولود يولد على الفطرة» أي: على ابتداء الخلقة، وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم.
قال الزجاج: إن قيل: كيف يكون الفطر بمعنى الخلق والانفطار الانشقاق في قوله تعالى: (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) ؟
فالجواب: إنما يرجعان إلى شيء واحد، لأن معنى «فطرهما» : خلقهما خلقاً قاطعاً.
والانفطار، والفطور: تقطُّعٌ وتشقُّقٌ.