قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي {إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تبرءوا من الشِّرك وانتفَوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين.
قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك؛ قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشِّرك فتعالَوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين؛ فقال الله تعالى: أما إذْ كتموا الشِّرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أَفواهِهِم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يُكتَم حديثاً؛ فذلك قوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} [النساء: 42] .
وقال أبو إسحاق الزجاج: تأويل هذه الآية لطيف جداً، أخبر الله عزّ وجلّ بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلاَّ أن انتفوا من الشِّرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنساناً يُحبُّ غاوياً فإذا وقع في هَلَكة تبرأ منه، فيقال: ما كانت محبتك إياه إلاَّ أن تبرأت منه.
وقال الحسن: هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا، ومعنى"فِتْنَتُهُمْ"عاقبة فتنتهم أي كفرهم.
وقال قَتَادة: معناه معذرتهم.