[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
قوله: {فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} .
"إذ"منصوب بـ"تضرَّعوا"فَصَلَ به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز في المفعول به، تقول:"لولا زيداً ضَرَبْتَ"، وتقدَّم أن حرفَ التَّخْضِيض مع الماضي يكون معناه التَّوءبِيخَ، والتَّضَرُّع:"تَفَعُّل"من الضَّراعَة؛ وهي الذِّلَّة والهَيْبَة المسببة عن الانْقِيَادِ إلى الطاعة، يقال:"ضَرَعَ يَضْرَعُ ضراعة فهو ضارعٌ وضَرعٌ".
قال الشاعر: [الطويل]
2174 - ليُبْكَ يَرْيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
وللسهولة والتَّذَلُّلِ المفهومة من هذه المادة اشْتَقُّوا منها لِلثَّدْي اسماً فقالو له:"ضَرْعاً".
قوله: {ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُم} "لكنْ"هنا وَاقِعَةٌ بين صدَّيْنِ، وهما اللِّينُ والقَسْوَةُ؛ وذلك أن قوله:"تضرَّعوا"مُشْعِرٌ باللِّينِ والسُّهُولةِ، وكذلك إذا جعلءتَ الضَّراعَةَ عبارة عن الإيمان، والقَسْوَةَ عبارة عن الكُفْرِ، وعبَّرت عن السبب بالمُسَبَّبِ، وعن المُسَبَّبِ بالسبب، ألا ترى أانه تقول:"آمنَ قلبه فتضرَّعُ، وقسا قلبه فكفر"وهذا أحسن من قول أبي البقاء:"ولكن"استدراك على المعنى، أي ما تَضَرَّعُوا ولكن يعني أن التَّخْضِيضَ في معنى النَّفْي، وقد يَتَرَجَّعُ هذا بما قالهُ الزمخشري فإنه قال: مَعْنَاهُ نَفْيُ التضرُّع كأنه قيل: لم يَتَضرَّعوا إذ جاءهم بأسُنَا، ولكنه جاء بـ"لولا"ليفيد أنه لم يكن لهم عُذْرٌ في تَرْك التَّضَرُّعِ، إلاَّ قَسْوَة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لهم.
قوله:"وزيَّنَ لَهُم"هذه الجملة تَحْتَمِلُ وجهين:
أحدهما: أن تكون اسْتِئْنَافِيَّةً أخبر تعالى عنهم بذلك.
والثاني: وهو الظاهر: أنها داخلة في حيَّز الاستدراك فهو نسقٌ على قول:"قَسَتْ قُلُوبهم"وهذا رأي الزمخشري فإن قال:"لم يكن عُذْرٌ في ترك التَّضرُّع إلاَّ قَسْوَةُ قلوبهم وإعابُهُم بأعمالهم"كما تقدَّم و"ما"في قوله:"ما كانوا"يحتمل [أن تكون موصولة اسمية أي: الذي كانوا يعملونه] وأن تكون مصدرية، أي: زيَّنَ لهم عَمْلَهُم، كقوله: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] ويَبْعُدُ جَعْلُها نكرةً موصوفة. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 8 صـ 147 - 148}