فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 145580 من 466147

وقال ابن عطية:

{من الجاهلين} يحتمل في أن لا يعلم أن الله {لو شاء لجمعهم} ويحتمل في أن تهتم بوجود كفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى مالم يقدر الله به، يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلا تكونن من الجاهلين} وبين قوله لنوح عليه السلام {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] وقد تقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، قال مكي والمهدي: والخطاب بقوله {فلا تكونن من الجاهلين} للنبي عليه السلام والمراد به أمته، وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: وقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم: جاء الحمل أشد على محمد صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب.

قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجئ بحسب النبيين وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما وبين أن الأمر الذي نهى عنه محمد صلى الله عليه وسلم أكبر قدراً وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم. (1) انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}

وقال الثعالبي:

وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} للنبي صلى الله عليه وسلم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله * ع *: فيه عندي نَظَرٌ؛ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا رحمه اللَّه نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.

وقيل: معنى الخطاب لأُمَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من"الهِدَايَةِ". انتهى انتهى. {الجواهر الحسان حـ 1 صـ}

(1) يقول ابن القماش:

قد يجاب عن ذلك بأن شدة حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هداية قومه ونجاتهم من النار كانت أكثر من حرص نوح - عليه السلام - على نجاة ابنه يدل على ذلك قوله تعالى فِي سورة الكهف {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } وقوله تعالى فِي سورة الشعراء {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) } والمعنى والله أعلم: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزنا لعدم إيمان القوم.

وفى صعيد القيامة لا يذكر أحد أحداً وجميع الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) بما فيهم نوح - عليه السلام - يقول كل واحد منهم: نفسي نفسي ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: أمتى أمتى.

لذا كان الفرق بين خطاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقوله تعالى فِي سورة الأنعام {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} وخطاب نوح - عليه السلام - بقوله تعالى فِي سورة هود {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) } والله أعلم.

قال أبو حيان:

وقال قوم: جاز هذا الخطاب لأنه لقربه من الله ومكانته عنده كان ذلك حملاً عليه كما يحمل العاقل على قريبه فوق ما يحمله على الأجانب، خشية عليه من تخصيص الإذلال.

وقال مكي والمهدوي: الخطاب له والمراد به أمته، وتمم هذا القول بأنه كان يحزنه إصرار بعضهم على الكفر وحرمانهم ثمرات الإيمان.

قال ابن عطية: وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ؛ انتهى.

وقيل: الرسول معصوم من الجهل والشك بلا خلاف، ولكن العصمة لا تمنع الامتحان بالأمر والنهي، أو لأن ضيق صدره وكثرة حزنه من الجبلات البشرية، وهي لا ترفعها العصمة بدليل:"اللهم إني بشر وإني أغضب كما يغضب البشر"الحديث.

وقوله:"إنما أنا بشر فإذا نسيت فذكروني"انتهى.

والذي أختاره أن هذا الخطاب ليس للرسول، وذلك أنه تعالى قال: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} فهذا إخبار وعقد كلّي أنه لا يقع في الوجود إلا ما شاء وقوعه، ولا يختص هذا الإخبار بهذا الخطاب بالرسول بل الرسول عالم بمضمون هذا الإخبار، فإنما ذلك للسامع فالخطاب والنهي في {فلا تكونن} للسامع دون الرسول فكأنه قيل: ولو شاء الله أيها السامع الذي لا يعلم أن ما وقع في الوجود بمشيئة الله جمعهم على الهدى لجمعهم عليه، فلا تكونن أيها السامع من الجاهلين بأن ما شاء الله إيقاعه وقع، وأن الكائنات معذوقة بإرادته. اهـ. {البحر المحيط حـ 4 صـ 495 - 496} .

وقال ابن عاشور:

والمراد بـ {الجاهلين} يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضدّ العلم، كما في قوله تعالى خطاباً لنوح {إنّي أعظُك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] ، وهو ما حمل عليه المفسّرون هنا.

ويجوز أن يكون من الجهل ضدّ الحلم، أي لا تضق صدراً بإعراضهم.

وهو أنسب بقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} .

وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين: جملة: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} وجملة {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} .

ومع كون هذه الجملة تذييلاً للكلام السابق فالمعنى: فلا يَكْبُرْ عليك إعراضهم ولا تضق به صدراً، وأيضاً فكن عالماً بأنّ الله لو شاء لجمعهم على الهدى.

وهذا إنباء من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر من علم الحقيقة يختصّ بحالة خاصّة فلا يطّرد في غير ذلك من مواقف التشريع.

وإنّما عدل على الأمر بالعلم لأنّ النّهي عن الجهل يتضمّنه فيتقرّر في الذهن مرتين، ولأنّ في النهي عن الجهل بذلك تحريضاً على استحضار العلم به، كما يقال للمتعلّم: لا تنسى هذه المسألة.

وليس في الكلام نهي عن شيء تلبّس به الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهّمه جمع من المفسّرين، وذهبوا فيه مذاهب لا تستبين. اهـ {التحرير والتنوير حـ 6 صـ 205} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت