[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
[لطيفة]
ذكر المبرد عن أبي كامل عن إسحاق بن إبراهيم عن رجاء بن عمرو النخعي قال كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهن جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بالجارية ما نزل به فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي
فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهيبها، فلما أبلغها الرسول قوله قالت: وأراه مع هذا يخاف الله والله ما أحد أحق بهذا من أحد، وإن العباد فيه لمشتركون ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي عنده ويدعو لها فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر فقال كيف أنت؟ وما لقيت بعدي؟
قالت:
نعم المحبة يا سؤلي محبتكم ... حب يقود إلى خير وإحسان
فقال على ذلك إلام صرت؟
فقالت
إلى نعيم وعيش لا زوال له ... في جنة الخلد مُلكٌ ليس بالفاني
فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك.
فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألت مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعنِّي على ذلك بالاجتهاد.
فقال لها متى أراك؟
فقالت ستأتينا عن قريب فترانا فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله تعالى.
وقال عبد الله بن المبارك عشق هارون الرشيد جارية من جواريه فأرادها فقالت إن أباك مسني
فشغف بها وقال فيها
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس عندي كالعبيد
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنتِ زِيدِي
فسأل أبا يوسف عن ذلك فقال أو كلما قالت جارية شيئا تصدق
قال ابن المبارك فلا أدري ممن أعجب من هارون الرشيد حيث رغب فيها، أو منها حيث رغبت عنه، أو من أبي يوسف حيث سوغ له إتيانها.