بأن الخالق لا يجوز أن يخلو من علم ما يكون قبل كونه إذ في خلائه من ذلك - تعالى عنه - خلاء من الغيب الذي هو محيط به وغير مشارك فيه - فإذا تلي فيه قرآن كان أشد لطمأنينة قلبه وأقمع لنزعات عدوه قال - جل جلاله - في هذه السورة: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28 ) )
وقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخرالسورة ، والقرآن مملوء بذكر هذا النوع قبل هذه السورة وبعدها ، ولو لم يكن فيه إلا ما في آخر سورة المائدة من قوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ)
إلى آخر السورة لكفى فقد علمنا جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بما يكون في المعاد من قول الناس قبل يكون ، وبما
يكون من أفعال العباد في الدنيا وأقوالهم قبل تكون فقال: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) .
وقال: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) وقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) وأشباه ذلك. فمن نسب إلى ربه ما نسبوا فقد كفر من ثلاثة وجوه:
أحدها: أنه ينسب ربه - جل وعلا - إلى الجهل ، إذ الشيء بعد حدوثه يستوي فيه الخلق والخالق والعالم والجاهل وتعالى الله أن يكون موصوفا بالجهل.