ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} [المائدة: 54] ، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 54] ، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة طلب غير الحق من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالباً غير الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران: 152] ، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، وقال: ثمناً حد، فقال: ومنكم من يريد الله {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، فخص هذه المرتبة بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته أزلاً، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى بذات تلك الصفة، فافهم جيداً فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية لهم أن تكون {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54] ، لفناء الناسوتية وارتفاع الأنانية {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] ، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المائدة: 54] ، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54] ، عند غلبات الوجود في الوسط لدوام الشهود {ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 54] ؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص بالمحبة