{وَءايَةٌ} عطف على"عيداً"، وقوله سبحانه وتعالى: {مِنكَ} متعلق بمحذوف وقع صفة له أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي {وارزقنا} أي الشكر عليها على ما حكي عن الجبائي أو المائدة على ما نقل عن غير واحد والمراد بها حينئذ كما قيل ما على الخوان من الطعام أو الأعم من ذلك وهذه ولعله الأولى {وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين} تذييل جار مجرى التعليل أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا ملاحظة عوض. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 7 صـ}
[لطيفة]
قال الفخر:
تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضاً، فقدموا ذكر الأكل فقالوا {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} [المائدة: 113] وأخروا الأغراض الدينية الروحانية، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال {وارزقنا} وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الرزق بقوله {وارزقنا} لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال {وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين} فقوله {رَبَّنَا} ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى، وقوله {أُنزِلَ عَلَيْنَا} انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله {تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وآخرنا} إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله {وآية منك} إشارة إلى كون هذه المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله {وارزقنا} إشارة إلى حصة النفس وكل ذلك نزول من حضرة الجلال.
فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون.
ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين} وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها اللهم اجعلنا من أهله. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 109}