وقوله تعالى {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} قال ابن عباس: معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء، كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى؟.
قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله {عنها} عائد على نوعها لا على الأولى التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وعفا من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}
وقال ابن عاشور:
وجملة {وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبْدَ لكم} عطف على جملة {لا تسألوا} ، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله: {وإن تسألوا} فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها، وأنّ ترك السؤال هو الأوْلى لهم، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة، وجاء بـ {إنْ} للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في (إنْ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه.
وقوله: {حين ينزّل القرآن} ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو {تسألوا} ، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو {تُبدَ لكم} ، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتاً لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتاً للجواب عن الأسئلة.