[سورة المائدة (5) : آية 89]
(لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ...(89)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم: قالوا يا رسول الله. كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله - تعالى - قوله:
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ الآية واللغو من الكلام - كما يقول الراغب: ما لا يعتد به منه، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور. وقد يسمى كل قبيح لغوا. قال - تعالى - وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ.
ولغو اليمين. أن يحلف الحالف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك.
ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذي يجرى على اللسان بدون قصد، كقولك لا والله وبلى والله.
وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه. واللغو في اليمين هو قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعى. وقيل هو في الهزل. وقيل في المعصية:
وقيل على غلبة الظن وهو قول أبى حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله:
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ.
وقوله: عَقَّدْتُمُ من العقد وهو الجمع بين أطراف الشيء لتوثيقه وهو نقيض الحل: وقرأ حمزة والكسائي عَقَّدْتُمُ بالتخفيف. وقرأ ابن عامر «عاقدتم» .
والمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية.
والمعنى: لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو في اليمين وهو ما يجرى على ألسنتكم بدون قصد. ولكن يؤاخذكم بالعقوبة في الآخرة أو بوجوب الكفارة بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية، إذا حنثتم فيها، بأن تعمدتم الكذب في أيمانكم.