قال - رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ} .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} : عَامٌّ فِي الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ قَبْلَ هَذَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {الْبَحْرِ} هُوَ كُلُّ مَاءٍ كَثِيرٍ، وَأَصْلُهُ الِاجْتِمَاعُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْمَدَائِنُ بِحَارًا.
وَيُقَالُ لِلْبَلْدَةِ: الْبَحْرَةُ وَالْبُحَيْرَةُ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا؛ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} : إنَّ الْبَحْرَ الْبِلَادُ، وَالْبَرَّ الْفَيَافِي وَالْقِفَارُ.
وَفَائِدَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ بَرًّا وَبَحْرًا وَهَوَاءً، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الثَّلَاثَةِ عِمَارَةً، فَعِمَارَةُ الْهَوَاءِ الطَّيْرُ، وَعِمَارَةُ الْمَاءِ الْحِيتَانُ، وَعِمَارَةُ الْأَرْضِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ، وَجَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ مُبَاحًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى شُرُوطٍ وَتَنْوِيعٍ، هِيَ مُبَيَّنَةٌ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {صَيْدُ الْبَحْرِ} : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: مَا صِيدَ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
الثَّانِي: هُوَ حِيتَانُهُ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.