قال الفخر:
ثم قال تعالى: {عَفَا الله عَنْهَا} وفيه وجوه:
الأول: عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها، فلا تعودوا إلى مثلها.
الثاني: أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم، فقال {عَفَا الله عَنْهَا} يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم.
الثالث: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير، وعلى هذا الوجه فقوله {عَفَا الله عَنْهَا} أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام:"عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق"أي خففت عنكم بإسقاطها.
ثم قال تعالى: {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ} وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما ذكرناه في الوجه الأول. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 89}
وقال ابن عطية:
وقوله تعالى: {عفا الله عنها} تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي هي {عفا} ، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول النبي عليه السلام إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل، و {غفور حليم} صفتان تناسب العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}
وقال ابن عاشور:
وقوله: {عفا الله عنها} يحتمل أنّه تقرير لمضمون قوله: {وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبدَ لكم} ، أي أنّ الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزّل القرآن.
وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده {حين ينزّل القرآن} .
ويحتمل أن يكون إخباراً عن عفوه عمّا سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأنّ ذلك لا يناسب ما يجب من توقيره. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}