الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (95) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} الَّذِي بَيَّنْتُ لَكُمْ، وَهُوَ صَيْدُ الْبَرِّ دُونَ صَيْدِ الْبَحْرِ {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}
يَقُولُ: وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَالْحُرُمُ: جَمْعُ حَرَامٍ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، تَقُولُ: هَذَا رَجُلٌ حَرَامٌ، وَهَذِهِ امْرَأَةٌ حَرَامٌ، فَإِذَا قِيلَ مُحْرِمٌ، قِيلَ لِلْمَرْأَةِ مُحْرِمَةٌ. وَالْإِحْرَامُ: هُوَ الدُّخُولُ فِيهِ، يُقَالُ: أَحْرَمَ الْقَوْمُ: إِذَا دَخَلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} فَإِنَّ هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ حُكْمَ الْقَاتِلِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ الصَّيْدَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ مُتَعَمِّدًا
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْعَمْدِ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِهِ الْكَفَّارَةَ وَالْجَزَاءَ فِي قَتْلِهِ الصَّيْدَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْعَمْدُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ مَعَ نِسْيَانِ قَاتِلِهِ إِحْرَامَهُ فِي حَالِ قَتْلِهِ، وَقَالَ: إِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ ذَاكِرٌ إِحْرَامَهُ مُتَعَمِّدًا قَتْلَهُ فَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ. قَالُوا: وَهَذَا أَجَلُّ أَمْرًا مِنْ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونَ لَهُ كَفَّارَةٌ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، «مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَتَلَهُ ذَاكِرًا لِحُرْمِهِ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْعَمْدُ مِنَ الْمُحْرِمِ لِقَتْلِ الصَّيْدِ ذَاكِرًا لِحُرْمِهِ.
عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ»
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ، وَلَكِنْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطَأِ كَيْ يَتَّقُوا»