(فصل)
قال الحَلِيمي:
وأما كفارة اليمين فإن الله - عز وجل - قال فيها: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} .
فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة إيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم.
ومعنى هذه الكفارة أن قول الحالف تصير عند الحنث كذباً ثم يتغلظ بما يتصل به من نقض عهد الله تعالى، فتجب الكفارة فيه.
وليس ينكر أن يكون الكذب بانفراده غير موجب للكفارة، إلا أنه إذا تغلظ بنقض عهد الله تعالى أوجبها.
فإن رجلاً لو قال لأجنبية أنت علي كظهر أمي، ثم يمسها مكانه بشهوة، لم تكن عليه كفارة وقد كذب فيما قال.
لأن الأجنبية يحل نكاحها ولا يحل نكاح الأم، والجارية تحل مباشرتها ولا تحل مباشرة الأم.
حتى إذا قال ذلك لزوجته التي يجدها بأمانة الله، واستحل فرجها بكلمة الله يغلظ كذبه، فأوجب الكفارة.
وإذ كان الزنا قد يخف حكمه، فلا يوجب إلا الجلد والتعزير.
وقد يتغلظ حكمه بالإحصان فيوجب الرجم، وأخذ المال المحرم قد يوجب قطع جارحة واحدة مرة، ثم يغلظ بانضمام معنى إليه فيقتضي كفارة والله أعلم.
وأما كفارة المستبشر في صيام رمضان، فإنها رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -، بأن أعرابياً جاء فقال: «هلكت يا رسول الله واقعت أمرأتي في رمضان.
فقال له: أعتق رقبة.
فقال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين.
قال: فهل أتيت إلا من الصوم قال: فأطعم ستين مسكيناً.
قال: لا أجد.
فقال: اجلس، فجلس.
فأتى النبي - صلى الله عليه وسلّم - بعرق من تمر، فقال: خذه وتصدق».
فهذه الكفارة هي كفارة الظهار التي نص عليها في القرآن.
وهما يشبهان كفارة القتل في تحرير العتق، بالإيجاب أولاً والنقل عنه بالعجز إلى صيام شهرين متتابعين ثم يفارقها بها في الإطعام.
فإنه يجوز للقاتل إذا عجز عن صيام رمضان لمرض أن يطعم، كما يجوز ذلك للمظاهر، ولا يجوز له أن يطعم إلا أن يعجز من الكبر أو يموت فيطعم عنه.
وهذا تغليظ على القاتل بإيفاء الصوم في ذمته، فتكون رقبته مرتهنة بالكفارة ولا يترخص بالانتقال إلى أخف الكفارات وهو يرجو أن يكفر بما فوقه والله أعلم.
ومما يقرب من الكفارة ما يجب باسم الفدية، وإنما فصل بينهما لأن الكفارة لا تجب إلا عن ذنب تقدم.