(مع النص الحكيم السامي)
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصاً للعلماء منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع أنهم أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا عليّ منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم عن النهي مغوٍ لأهل الفساد ومغرٍ لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى: {كانوا لا يتناهون} أي لا ينهى بعضهم بعضاً، وبين إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال: {عن منكر} .
ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم يبق لهم نوع علم، فقال: {فعلوه} ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعاً أو اعتقاداً، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس عليه لغرض فاسد أداه إليه، أكد مقسماً معبراً بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال: {لبئس ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفعلون} إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 2 صـ 520 - 521}
فصل
قال الفخر:
ثم إنه تعالى فسّر المعصية والاعتداء بقوله
{كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} وللتناهي هاهنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً، روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم".
والمعنى الثاني في التناهي: أنه بمعنى الانتهاء.
يقال: انتهى عن الأمر، وتناهى عنه إذا كف عنه.
ثم قال تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} اللام في {لَبِئْسَ} لام القسم، كأنه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإن قيل: الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولاً غير ممكن فلم ذمهم عليه؟
قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه الثاني: لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته وأدواته.
الثالث: لا يتناهون عن الإصرار على منكر فعلوه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 54 - 55}