[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وقد ذكروا أنّ ممّا لا معنى له في القرآن قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، قالوا: وقد علم كلّ سامع لهذا الكلام أنّه لا معنى لقوله: «بلّغ وإن لم تبلّغ فما بلغت» ، وأي فائدة في أن يقال لمن لم يبلّغ الرسالة: اعلم أنّك إن لم تبلغ فما بلغت.
يقال لهم: في هذا أجوبة:
أحدها: أنّه إنّما أراد بقوله تعالى - وهو أعلم - «فإن لم تفعل ما بلغت رسالته» أي لم تبلغ كلّ ما أرسلت به على كماله وتمامه وترك الكتمان والطيّ لشيء منه، ولم يرد بقوله: {فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} في الشيء الذي لم يبلّغه بعينه، فإنّ ذلك أمر معلوم على ما وصفتم، وإذا كان ذكر الرسالة مجملا معرّضا لأن يراد به كلّ الرسالة على الاستيفاء لها والاستيعاب، وأنّه يعني به البعض منها دون جميعها كان حمل الآية على هذا التأويل صحيحا ممكنا، وأن يكون إنّما حثّ على تبليغ الرسالة في شيء بعينه أوحي إليه، قيل له فيه إن لم تفعل ذلك فما تحمّلت عن الله سبحانه كلّ ما أمرك به ولا أدّيت جميع رسالاته، وهذا واضح من التأويل وبالله التأييد.
وجواب آخر وهو: أنّه يمكن أن يكون المراد بقوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} أي: فما تستحقّ ثوابا ولا جزءا على أداء ما أدّيته منها إذا أخللت بأداء شيء من جميعها، كما يقول السيد لعبده والمستأجر لأجيره: ابن داري هذه وعلي شرفها وإن لم تعلّ الشّرف منها فما عملت شيئا ولا ثواب لك على عملك، وهو ليس يعني بقوله: فما عملت إلا إسقاط الاعتقاد بما عمله، وهذا أيضا بيّن في جواب ما تعلّقوا به.
وجواب آخر هو: أنّه يحتمل أن يكون المراد بقوله: {بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} هو المراد بقوله: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ} أي: تبلّغه تبليغا شائعا ذائعا مكشوفا تقوم به الحجّة، وينقطع
به العذر، ويؤثّر في النفس التأثير الذي يقع معه العلم بصحته ولذلك قال: «اصدع» لأنّه عنى به شدّة البلاغ وكشفه على وجه يؤثّر تأثير الصّدع في الزجاج وغيره ممّا يتصدّع وينكسر، فكأنّه سبحانه قال له: بلّغ ما أنزل إليك من ربّك بلاغا ظاهرا، وأراد بقوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} ، أي: إن لم تظهر، وأدّيته خفيّا مكتوما فما بلّغت البلاغ الذي قيل لك بلّغه وهذا أيضا واضح في إسقاط ما تعلّقوا به. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...