قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إِليك} ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت على أسباب، روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعاً، وعرفت أن من الناس من يكذِّبني"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهابُ قريشاً واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية.
وقال مجاهد:"لما نزلت {يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إِليك من ربِّك} قال:"يا رب كيف أصنع؟ إِنما أنا وحدي يجتمع عليَّ الناس"، فأنزل الله {وإِن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس} "وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزؤون به، فسكت عنهم، فحُرِّض بهذه الآية.
وقال ابن عباس:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرَسُ فيرسل معه أبو طالب كلَّ يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال:"يا عمّاه إِن الله قد عصمني من الجن والإِنس""وقال أبو هريرة:"نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجلٌ فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعني منك؟ فقال:"الله"، فنزل قوله: {والله يعصمك من الناس} "قالت عائشة:"سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقلت ما شأنك؟ قال: ألا رجلٌ صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إِذ سمعت صوت السّلاح، فقال:"من هذا"؟ فقال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه، فنزلت {والله يعصمك من الناس} فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال:"انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله تعالى""قال الزجاج: قوله: {بلِّغ ما أُنزل إِليك} معناه: بلغ جميع ما أُنزل إِليك، ولا تراقبن أحداً، ولا تتركنَّ شيئاً منه مخافة أن ينالك مكروه، فإن تركت منه شيئاً، فما بلَّغت.
قال ابن قتيبة: يدل على هذا المحذوف قوله: {والله يعصمك} وقال ابن عباس: إِن كتمت آية فما بلَّغت رسالتي.
وقال غيره: المعنى: بلِّغ جميع ما أُنزل إِليك جهراً، فإن أخفيت شيئاً منه لخوف أذىً يلحقك، فكأنك ما بلَّغت شيئاً.
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي:"رسالته"على التوحيد.
وقرأ نافع"رسالاته"على الجمع.