وههنا دقيقة نافعة في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الإلهيات وفي النبوّات، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات، ولا شك في أن الأول أغلظ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرّفهم الله بقوله {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى} وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى الله عليه وسلم:"حب الدنيا رأس كل خطيئة". انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 56}
{ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} ، أي علماء.
قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم.
وقال ورقة:
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
وقال عروة بن الزبير حرّفت النصارى الإنجيل فأدخلوا فيه ما ليس منه وكان الذي غيّر ذلك أربعة نفر لوقاس ومرقوس ويحنس ومتيوس، وبقي قيس على الحق وعلى الإستقامة والإقتصاد فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس.
عبد اللّه بن يوسف بن أحمد، محمد بن حامد بن محمد التميمي الحسن بن الهيثم السمري، عبد اللّه بن محمد، يحيى بن الحمامي، نصير عن زياد الطائي عن الصلت الدهان عن [حامية] بن رئاب عن سلمان قال: قرأت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك بإن منهم قسيسين ورهباناً فاقرأ في ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً والرهبان العبّاد وهم أصحاب الصوامع وأخذهم راهب مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وأنشد في الواحد:
لو كلمت رهبان دير في القلل ... لانحدر الرهبان يسعى فنزل
وأنشد في الجمع:
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... العصم من شعف العقول الغادر
وهو من قول القائل: رهب اللّه أي خافه، يرهبه رهبة ورهباً ورهباناً {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق. انتهى انتهى. {الكشف والبيان حـ 4 صـ}