قال - رحمه الله:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}
خَتَمَ اللهُ هَذَا السِّيَاقَ فِي مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَيَانِ شَأْنِهِمْ، بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا حَالَتَهُمُ النَّفْسِيَّةَ فِي عَدَاوَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَوَدَّتِهِمْ، وَدَرَجَةِ قُرْبِهِمْ مِنْهُمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْهُمْ، وَكَذَا حَالَةُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) الْعَدَاوَةُ: بَغْضَاءُ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالْمَوَدَّةُ: مَحَبَّةٌ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ فَسَّرُوهَا بِالْمَحَبَّةِ مُطْلَقًا، وَفِي
كَلِمَةِ"لَتَجِدَنَّ"تَأْكِيدَانِ: لَامُ الْقَسَمِ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، وَنُونُ
التَّوْكِيدِ فِي آخِرِهَا، وَفِي الْخِطَابِ بِهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّهُ لِكُلِّ مَنْ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ الْكَلَامُ، وَفِي"النَّاسِ"الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ هَذَا التَّفْصِيلُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَهُودُ الْحِجَازِ وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ وَنَصَارَى الْحَبَشَةِ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَامٌّ لِكُلِّ شَعْبٍ وَجِيلٍ، وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى عُمُومِ الْأَزْمِنَةِ مَا سَيَأْتِي.