والمسّ مجاز في الإصابة، لأنّ حقيقة المسّ وضع اليد على الجسم، فاستعمل في الإصابة بجامع الاتّصال، كقوله تعالى: {والّذين كذّبوا بآياتنا يمسّهم العذاب بما كانوا يفسقون} [الأنعام: 49] ، فهو دالّ على مطلق الإصابة من غير تقييد بشدّة أو ضعف، وإنّما يُرجع في الشدّة أو الضعف إلى القرينة، مثل {أليم} هنا، ومثل قوله {بما كانوا يفسقون} [الأنعام: 49] في الآية الأخرى، وقال يزيد بن الحكم الكلابي من شعراء الحماسة:
مَسِسْنَا من الآباء شيئاً وكُلُّنا ...
إلى حسب في قومه غيرِ واضع
أي تتبّعنا أصول آبائنا.
والمراد بـ {الّذين كفروا} عينُ المراد بـ {الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة} فعُدل عن التّعبير عنهم بضميرهم إلى الصّلة المقرّرة لمعنى كفرهم المذكور آنفاً بقوله: {لقد كفر الّذين قالوا} إلخ، لقصد تكرير تسجيل كفرهم وليكون اسم الموصول مومئاً إلى سبب الحكم المخبر به عنه.
وعلى هذا يكون قوله {مِنْهم} بياناً للّذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهّم السامع أنّ هذا وعيد لكفّار آخرين. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
فصل
قال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إِن الله ثالث ثلاثة} قال مجاهد: هم النصارى.
قال وهب بن منبّه: (1) لما وُلد عيسى لم يبق صنم إِلا خرَّ لوجهه، فاجتمعت الشياطين إِلى إِبليس، فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، فقال: هذا المولود الذي ولد من غير ذكر، أردت أن أنظر إِليه، فوجدت الملائكة قد حفّت بأمِّه، فليتخلف عندي اثنان من مردتكم، فلما أصبح، خرج بهما في صورة الرجال، فأتوا مسجد بني إِسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ويقولون: مولود من غير أب.
(1) يقول ابن القماش:
هذا الكلام وما بعد يفتقر إلى سند صحيح. والله أعلم