ويؤيّده ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {وقالت اليهود الله يد مغلولة} [المائدة: 64] كما تقدّم.
ومعنى {لأكلوا مِن فوقهم ومن تحت أرجلهم} تعميم جهات الرزق، أي لرُزقوا من كلّ سبيل، فأكلوا بمعنى رزقوا، كقوله: {وتأكلون التراث أكْلاً لَمَّا} [الفجر: 19] .
وقيل: المراد بالمأكول من فوق ثمارُ الشجر، ومن تحت الحُبوبُ والمقاثي، فيكون الأكل على حقيقته، أي لاستمرّ الخصب فيهم.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بَركَات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} في سورة الأعراف (96) .
واللام في قوله: لأكلوا من فوقهم إلخ مثل اللام في الآية قبلها. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
فصل
قال الفخر:
معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير، وأصله القصد، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيراً، تارة يذهب يميناً وأخرى يساراً، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان: أحدهما: أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب: كعبدالله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، فهم على القصد من دينهم، وعلى المنهج المستقيم منه، ولم يميلوا إلى طرفي الإفراط والتفريط.
والثاني: المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال {وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] .