قال - رحمه الله:
قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب القرآن والتعريف للعهد، و {بالحق} متعلق بمحذوف وقع حالاً: أي متلبساً بالحق؛ وقيل هو حال من فاعل أنزلنا؛ وقيل من ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حال من الكتاب، والتعريف في الكتاب أعني قوله: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب} للجنس: أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبساً بالحق وحال كونه مصدّقاً لما بين يديه من كتب الله المنزلة؛ لكونه مشتملاً على الدعوة إلى الله، والأمر بالخير، والنهي عن الشرّ، كما اشتمل عليه قوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} عطف على مصدّقاً، والضمير في عليه عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه، والمهيمن الرقيب؛ وقيل الغالب المرتفع؛ وقيل الشاهد: وقيل الحافظ؛ وقيل المؤتمن.
قال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء هرقت، وبه قال الزجاج وأبو عليّ الفارسي.
وقال الجوهري: هو من أمن غيره من الخوف، وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما، فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء، كما قالوا هراق الماء وأراقه، يقال هيمن على الشيء يهيمن: إذا كان له حافظاً، فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد.
وقرأ مجاهد وابن محيصن:"مهيمنا عليه"بفتح الميم، أي: هيمن عليه الله سبحانه.
والمعنى على قراءة الجمهور: أن القرآن صار شاهداً بصحة الكتب المنزلة ومقرّراً لما فيها مما لم ينسخ، وناسخاً لما خالفه منها، ورقيباً عليها وحافظاً لما فيها من أصول الشرائع، وغالباً لها لكونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ، ومؤتمناً عليها لكونه مشتملاً على ما هو معمول به منها وما هو متروك.