وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... ) الآية يحتمل وجوهًا:
أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم. ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) ، وكقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.
ويحتمل قوله - تعالى: (لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) أي: لا يحزنك تمرد هَؤُلَاءِ وتكذيبهم إياك؛ فإن اللَّه ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.
ويحتمل: لا يحزنك صنيع هَؤُلَاءِ الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ، وكقوله - تعالى: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) .
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) دلالة تفضيل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - في جميع ما خاطب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) ، و (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: (يا موسَى) ، و (يا إبَراهِيمُ) ، و (يَا نُوحُ) ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)